ملا محمد مهدي النراقي

39

جامع الأفكار وناقد الأنظار

وقبل الخوض في بيانه لا بدّ من بيان علّة احتياج الأشياء إلى المؤثّر . فنقول : الحقّ انّ علة احتياج / 9 DB / الممكن إلى المؤثّر هو الامكان ، وفاقا لجمهور الحكماء ؛ وذهب جماعة من المتكلّمين إلى أنّ العلّة فيه هو الحدوث « 1 » ؛ وقيل : الامكان مع الحدوث شطرا ؛ وقيل : شرطا « 2 » . لنا : انّ العقل يحكم بأنّ الممكن ما يتساوى وجوده وعدمه ، وانّ ما يتساوى وجوده وعدمه فهو محتاج إلى مرجّح مغاير للممكن مرجح أحد طرفيه المتساويين على الآخر - لبطلان ترجّح أحد المتساويين على الآخر - ، / 9 MB / فيعلم منه انّ علّة الحاجة في الواقع هي الامكان . لانّ العقل رتّب الاحتياج على تساوي الوجود والعدم والترتّب العقلي الّذي هو مدرك مؤدّى تعطى التفاوت بين التساوي والاحتياج ، وهو المراد بالعلّية في نفس الأمر . وممّا يدلّ على أنّ الحدوث ليس علّة الافتقار إلى المؤثر انّا نتصوّر حدوث الممكن ولا يحصل لنا العلم باحتياجه إلى المؤثّر ما لم يلاحظ امكانه ، حتّى لو فرض حادث واجب بالذات وإن كان مما لا يحكم باستغنائه عن المؤثّر . وأيضا لو كان الحدوث علّة الاحتياج لزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب . بيانه : انّ الحدوث كيفية الوجود ووصف له - لانّه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم - ، فتأخّر الوجود المتأخّر عن الايجاد المتاخّر عن الاحتياج ، لانّ الشيء إذا لم يكن محتاجا إلى المؤثّر لم يتصوّر تأثيره فيه - كما في الواجب والممتنع - ، فالايجاد فرع الاحتياج والاحتياج متأخّر عن علّته - لوجوب تقدّم العلّة على المعلول - ، فلو كان الحدوث علّة للاحتياج أو جزء لها أو شرطا لها وجب تقدّمه على الاحتياج المتقدّم على الايجاد المتقدّم على الوجود المتقدّم على الحدوث ، فيلزم تقدّمه على نفسه بأربع

--> ( 1 ) - هذا القول نسبه بعضهم إلى قدماء المتكلّمين . راجع : شرح المقاصد ج 1 ص 490 . تلخيص المحصّل ص 120 . ( 2 ) - راجع : المطالب العالية ، ج 1 ، ص 71 ، تجد ما فيه نافعا في المقام . وانظر أيضا : شوارق الالهام ، ص 138 ؛ شرح المقاصد ، ج 1 ، ص 489 ؛ الحكمة المتعالية ، ج 1 ، ص 206 .